في خطوة وصفتها الأوساط الاقتصادية بـ"التحوّل المنتظر"، أعلنت السلطات الجزائرية عن دخول منحة السفر حيّز التنفيذ ابتداءً من يوم الأحد 20 جويلية 2025. القرار، الذي طالما كان محل ترقّب من قبل المواطنين الراغبين في السفر إلى الخارج، تم تفعيله بموجب التعليمة رقم 05-2025 الصادرة عن بنك الجزائر، مما يعطي إشارة واضحة إلى رغبة الدولة في هيكلة سوق صرف العملة وتخفيف الضغط عن السوق الموازية.
الخبر لم يأت من فراغ. فقبل أشهر، وتحديدًا خلال جلسة للبرلمان بتاريخ 20 فيفري 2025، صرّح وزير المالية عبد الكريم بو الزردة بأن منحة السفر ستكون جاهزة للتطبيق "قبل نهاية شهر رمضان أو بعد عيد الفطر مباشرة"، وهو ما اعتُبر حينها وعدًا رسميًا من أعلى هرم في القطاع المالي، وفتح الباب أمام المواطنين لبناء توقعاتهم بناءً على هذا التصريح.
ومع صدور التعليمة، أصبحت الصورة واضحة. فقد تم تحديد قيمة المنحة بـ 750 يورو للبالغين و300 يورو للقُصّر، تُمنح مرة واحدة في السنة لكل مسافر، وفق شروط مدروسة تشمل حيازة جواز السفر ساري، تأشيرة دخول أو حجز سفر، تأمين، وتذكرة ذهاب مؤكدة. والأهم أن العملية تفرض على المواطن دفع ما يعادل قيمة المنحة بالدينار الجزائري وفقًا لسعر الصرف الرسمي في البنوك المعتمدة، ليحصل في المقابل على وثيقة استحقاق تمكنه من استلام المبلغ نقدًا عند مغادرة البلاد عبر المنافذ المعتمدة.
الجانب العملي من القرار لم يُترك للصدفة. حيث أشارت تقارير إعلامية إلى أن مكاتب الصرف بالمطارات والموانئ والمعابر الحدودية استكملت تحضيراتها التقنية قبل الموعد المعلن، ما يعكس تنسيقًا مؤسساتيًا يهدف إلى ضمان انطلاقة ناجحة للآلية الجديدة. ويبدو أن السلطات حريصة على تفادي كل الثغرات التي قد تُفقد هذا الإجراء قيمته الفعلية.
القرار ليس تقنيًا فقط، بل يحمل أبعادًا اجتماعية واقتصادية متعددة. فعلى مدى سنوات، اضطر المسافر الجزائري إلى اللجوء إلى السوق السوداء لتأمين العملة الصعبة، ما خلق حالة من الغموض و اللا استقرار في التعاملات المالية المرتبطة بالسفر، خاصة في ظل التفاوت الكبير بين السعر الرسمي و سعر السوق الموازية. اليوم، مع هذا القرار، تسعى الدولة إلى استعادة الثقة عبر القنوات الرسمية و إعادة التوازن إلى منظومة صرف العملة .
و لعل أهم ما يلفت الانتباه في هذه الخطوة، هو أنها تُعيد ربط المواطن بالبنك كمؤسسة خادمة لحاجاته اليومية، وليس كجهاز إداري بعيد. فربط منحة السفر بالخدمة المصرفية، يشكل نقلة نوعية في علاقة الفرد بالقطاع المالي، ويفتح المجال لتوسيع التعاملات البنكية في مجالات حيوية أخرى، مثل التكوين، العلاج، وحتى السياحة المنظمة.
أما من ناحية البنية التحتية ، فإن هذا التوجه يُنتظر أن يكون بداية لتوسيع شبكة مكاتب الصرف في المدن و المناطق الحدودية ، ما يعزز من فعالية القرار و يساهم في تحقيق تغطية عادلة جغرافيًا .
في المجمل ، دخول منحة السفر حيّز التنفيذ ليس مجرد إجراء تقني أو بيروقراطي ، بل هو رسالة طمأنة من الدولة إلى المواطن ، بأن مطالبه تُؤخذ على محمل الجد ، و أن التعاملات المالية يمكن أن تُدار بشفافية و احترام متبادل . لكن التحدي الحقيقي لن يكون في القرار بحد ذاته، بل في طريقة تنفيذه على أرض الواقع ، و مدى قدرة المؤسسات على الحفاظ على وتيرة مهنية سلسة و عادلة للجميع .
- جريدة البلاد – عدد 17 جويلية 2025: نشرت تفاصيل التعليمة رقم 05-2025 الصادرة عن بنك الجزائر، والمتعلقة بانطلاق منحة السفر رسميًا.
- وكالة الأنباء الجزائرية (APS) – تقرير بتاريخ 20 فيفري 2025: وثقت فيه تصريح وزير المالية بشأن قرب تفعيل المنحة.
- جريدة الإكليل – عدد 15 جويلية 2025: قدّمت تغطية حصرية لتحضيرات مكاتب الصرف في المنافذ الحدودية.:
